في نقطة تحول تاريخية ضمن مساعي البنتاغون للسيطرة على الأجواء، أعلن سلاح الجو الأمريكي بالتعاون مع فرع "سكونك ووركس" (Skunk Works) المخصص للمشاريع المتقدمة لدى شركة "لوكهيد مارتن"، عن إنجاز تجارب ميدانية استثنائية ضمن برنامج HAVE HEAT.
وخلال هذه التجربة، تمكنت طائرة الاختبار ذاتية القيادة X-62A VISTA من معالجة بيانات الحرارة الصادرة عن هدف جوي حي بشكل مستقل تماماً عبر "عقلها" القائم على الذكاء الاصطناعي، ثم مناورت للوصول إلى وضعية الاعتراض والتدمير التكتيكي دون أي توجيه بشري مباشر.
تأتي هذه التجربة، التي أُجريت في قاعدة "إدواردز" الجوية بكاليفورنيا، لتسد إحدى أكبر الفجوات التكنولوجية التي تواجه برنامج المسيرات المقاتلة التعاونية (Collaborative Combat Aircraft - CCA) والمقرر دخوله الخدمة الفعلية مع حلول عام 2030.
خلفية هندسية: ما هي طائرة X-62A VISTA؟
بدأت طائرة X-62A حياتها كطائرة مقاتلة ثنائية المقعد من طراز F-16D Viper، قبل أن تُعدل بالكامل وتتحول إلى طائرة محاكاة واختبار للطيران المتغير (Variable Stability In-flight Simulator Test Aircraft).
تم تزويد الطائرة بنظام كمبيوتر مفتوح البنية (Enterprise Open Mission System Architecture) يسمح للعلماء بتحميل برمجيات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في الظروف الجوية الحقيقية عبر بيئة طيران آمنة تمنع تحطم الطائرة في حال حدوث خطأ برمجي.
كسر معضلة "الحلقة المغلقة" بين المستشعر والمركبة
في الاختبارات الميدانية التي شهدها عام 2024، أذهلت طائرة X-62A العالم بمناورة قتالية مأهولة ضد طائرة F-16 أُخرى. إلا أن البنتاغون كشف لاحقاً أن المقاتلتين كانتا تتبادلان بيانات الموقع عبر وصلات بيانات مساعدة.
وجاء مشروع HAVE HEAT ليعالج هذه المعضلة عبر كسر الاعتماد على البيانات الخارجية وتطبيق مفهوم Sensor-to-Vehicle Control:
بيانات سريّة حية: جرى توصيل حاضن البحث والتتبع بالأشعة تحت الحمراء Legion Pod بأسفل هيكل الطائرة، لينقل تدفقات بيانات حرارية صامتة ومباشرة إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
اعتراض تكتيكي حي: نفذ الذكاء الاصطناعي 27 عملية اعتراض متكاملة ضد طائرة تدريب مأهولة من طراز T-38 كانت تلعب دور الهدف المعادي على مدار 8 رحلات جوية.
سرعة الدمج برمجياً: تم دمج برمجيات الاعتراض واختبارها على الأرض خلال 3 أشهر فقط باستخدام قدرات توليد الوكلاء فائقة السرعة لدى "لوكهيد مارتن" (Supermassive AI generation).
البعد التكتيكي: أهمية حواضن IRST في حروب المستقبل
يُشكل الاعتماد على حواضن الأشعة تحت الحمراء (IRST) حجر الزاوية في العقيدة القتالية المستقبلي للأسطول الأمريكي لعدة أسباب:
التعامل مع المقاتلات الشبحية: لا يمكن للطائرات الشبحية إخفاء الحرارة الصادرة عن محركاتها أو الاحتكاك بالهواء، مما يجعل حواضن IRST الوسيلة المثالية لكشفها وتتبعها دون الحاجة لرادارات نشطة.
الصمت الراداري المريح: كتقنية سلبيّة (Passive Sensor)، لا تُطلق هذه الحواضن أي إشارات لاسلكية، مما يعني أن المقاتلة المعادية لن تتلقى إنذاراً يُخبرك بأنها تحت التتبع، فضلاً عن حصانة التتبع الحراري ضد التشويش الإلكتروني (Electronic Jamming).
موزع بيانات صامت للمسيرات (CCAs): يسمح هذا الأسلوب بإنشاء طليعة من المسيرات الاستكشافية القادرة على الإبحار في أجواء العدو الشديدة الدفاع، ورصد المقاتلات المعادية وإرسال الإحداثيات للطائرات المأهولة القيادية مثل F-22 و F-35 دون كشف موقعها.
المزيج القادم: برنامج HAVE HOLIDAYS وتحديثات المستقبل
بالتوازي مع هذه الاختبارات، شهد مشروع HAVE HOLIDAYS اختبار قدرة كمبيوتر الطائرة على تشغيل برمجيات طيران ذاتية صممتها شركات خارجية مختلفة (Non-prime third-party agents)، مع تطبيق طبقات أمان رقمية صارمة تُسمى (Safety Rules) لتمنع المركبة الذاتية من تجاوز حدود قواعد الاشتباك والسلامة المحددة لها.
وتتطلع القوات الجوية في المرحلة القادمة—ضمن خطة "تحديث أجهزة المهمة" (MSU)—إلى دمج رادار PhantomStrike الخفيف من شركة "رايثيون" على طائرة X-62A. وسيسمح هذا الرادار للذكاء الاصطناعي بالدمج بين البيانات الرادارية والحرارية في وقت واحد (Multi-Sensor Fusion)، لتحديد القرارات القتالية والتكتيكية بأعلى دقة ممكنة.
خارطة الطريق نحو عام 2030
يمهد نجاح هذا المشهد لعمليات أولية للدفعة الأولى من المسيرات المتقدمة القادمة، وعلى رأسها FQ-44 Fury (من شركة Anduril) و FQ-42 Dark Merlin (من شركة General Atomics).
ويرى البنتاغون أن استمرار هذه التجارب السريعة يعزز الثقة بين العنصر البشري والآلة، تمهيداً لنشر أساطيل جوية قتالية مشتركة تقود الذكاء الاصطناعي في خطوط المواجهة الأولى بحلول نهاية هذا العقد.
المصدر : TWZ
تعليقات
إرسال تعليق