كشفت تقارير استخبارية إسرائيلية، نُشرت عبر صحيفة The Wall Street Journal وتم مشاركتها مع المسؤولين الأمريكيين، عن نقل إيران لآلاف أجهزة الطرد المركزي المخصصة لتخصيب اليورانيوم إلى مجمع أنفاق عميق تحت جبل Pickaxe (المعروف محلياً بـ جبل كولانغ - Mount Kolang).
تأتي هذه الخطوة الهندسية الاستباقية في أعقاب الضربات الجوية المركبة التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية، وتُبرز تحولاً استراتيجياً نحو "الدفاع الجغرافي الخرساني والصلب" لحماية الأصول التكنولوجية والعسكرية من الحملات الجوية المتكررة.
أولاً: الهندسة التحت أرضية لمجمع "جبل كولانغ"
يُعد جبل كولانغ منظومة هندسية قائمة على استغلال التضاريس الطبيعية الشديدة الصلابة لتعطيل فاعلية الذخائر الموجهة والمخترقة للملاجئ (Bunker Busters):
العمق والصلابة الجيولوجية (Geological Shielding):
تقع الأنفاق على عمق يتراوح بين 300 إلى 450 قدماً (90 إلى 135 متراً) تحت طبقات من الجرانيت الصخور الصلبة. هذا العمق يتجاوز القدرة التدميرية للعديد من القنابل التقليدية المخترقة للأرض ويجعل استهدافها يتطلب ذخائر استراتيجية ثقيلة مثل GBU-57 MOP.
بديل منشأة نطنز العلوية:
صُمم المجمع التحت أرضي ليكون بديلاً مصفحاً لمصنع تجميع أجهزة الطرد المركزي في نطنز الذي تعرض لتدمير سابق، حيث يتيح المجمع مساحات شاسعة لاستضافة سلاسل أجهزة الطرد المتقدمة (مثل IR-4 وIR-6).
التجهيز الهندسي والأمني:
تظهر بيانات الاستطلاع والاستخبارات المفتوحة (OSINT) نشاطاً مكثفاً مستمراً شمل توسيع النطاق الأمني للموقع، تدعيم مداخل الأنفاق بالخرسانة المسلحة بالألياف عالية الإجهاد، وتحركات مكثفة لشاحنات النقل الثقيل لنقل المعدات والحمولات المصفحة.
ثانياً: معضلة التحقق الدولي وكسر قواعد الرقابة
تطرح هذه المنشأة المحصنة تحدياً استخبارياً ورقابياً غير مسبوق للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA):
غياب الشفافية والرقابة (Unmonitored Subterranean Activity): أشار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إلى أن طهران أعلنت نيتها العمل في الموقع منذ عام 2021، لكنها تمنع المفتشين حالياً من دخول مجمع الأنفاق.
خطر "الاختراق الخفي" (Covert Breakout): يؤكد خبراء الأمن القومي أن المفهوم العملياتي لنقل آلاف أجهزة الطرد وامتلاك إيران لنحو 1,000 رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% داخل أنفاق غير مراقبة، يخلق سيناريو المع معضلة "التخصيب الخفي" بعيداً عن أجهزة الاستشعار والتجسس التقليدية.
ثالثاً: المقارنة التكتيكية والهندسية بين المنشآت المحصنة
جدول تفكيك خصائص المنشآت النووية الإيرانية وتحصيناتها:
| وجه المقارنة | منشأة نطنز العلوية (Natanz) | منشأة فوردو (Fordow) | مجمع جبل كولانغ / Pickaxe |
| طبيعة التحصين | منشآت خرسانية سطحيّة/شبه سطحية | أنفاق جبلية محصنة | عمق جرانيتي يصل لـ 450 قدماً |
| الحماية من القصف الجوي | عرضة للذخائر التقليدية الموجهة | تتطلب قنابل مخترقة ثقيلة (GBU-57) | حصانة عالية ضد أغلب الذخائر الحالية |
| التأمين ضد المسيرات | تتطلب دفاعاً جوياً صاروخياً | تحصين طبيعي وخنق للمنافذ | تحصين هندسي متكامل ومنافذ مغلقة |
| وضع الرقابة الدولية | يخضع لرقابة وتفتيش جزئي | تحت الرقابة والمتابعة | مغلق بالكامل أمام مفتشي IAEA |
رابعاً: التصعيد التكتيكي وتقاطع العقائد العسكرية
يُعيد استهداف مجمع "جبل كولانغ" التذكير بالفلسفة الاستراتيجية التي ناقشناها سابقاً على Arab-Military:
التحصين مقابل التفوق الجوي: كما تلجأ روسيا لبناء الحظائر الخرسانية المحصنة (HAS) لحماية مقاتلاتها من المسيرات، تلجأ إيران إلى "دفن أصولها النووية" تحت الجرانيت لإبطال مفعول التفوق الجوي الأمريكي والإسرائيلي.
معادلة التكلفة والاستنزاف: إن أي عملية عسكرية لاستهداف جبل كولانغ تتطلب استخدام ذخائر استراتيجية ثقيلة وتأمين طلعات جوية معقدة للغاية باهظة التكلفة، مما يرفع من مخاطر العمليات العسكرية ويجعل قرار الضرب ذا تباعات اقتصادية وسياسية ضخمة.
يُطرح السؤال الكبير في أروقة التخطيط العسكري في واشنطن وتل أبيب: ماذا لو فشلت أكبر القنابل التقليدية المخترقة للملاجئ (مثل GBU-57 MOP) في اختراق طبقة الـ 450 قدماً من الجرانيت الصلب تحت جبل "كولانغ" (Pickaxe)؟ هل سيكون الخيار النووي التكتيكي مطروحاً على الطاولة؟
للإجابة عن هذا السؤال، يجب تفكيك المعضلة عبر ثلاثة أبعاد: الفيزياء الهندسية للاختراق، البدائل التقليدية المتقدمة، والتكلفة الاستراتيجية للقرار.
أولاً: الفيزياء الهندسية للاختراق النووي التكتيكي (Earth-Penetrating Weapons)
تستخدم الولايات المتحدة في ترسانتها السرية ما يُعرف بـ القنابل النووية المخصصة لاختراق الأعماق (Nuclear Earth Penetrators)، وأبرزها قنبلة B61-11 وقنبلة B61-12 المطورة.
مبدأ الصدمة الموجية (Shock Wave Coupling):
تعتمد القنبلة النووية التكتيكية المخصصة لاختراق الأرض على الغوص أولاً بعمق 3 إلى 10 أمتار داخل الصخر باستخدام مجسم من التيتانيوم الصلب قبل أن تتفجر. التفجير النووي تحت الأرض ينشئ موجة صدمة زلزلية هائلة (Seismic Shock Wave) تفوق بكثير قدرة أي قنبلة تقليدية.
الهدف ليس التدمير المباشر بل "التسحق الهيكلي":
عندما تنفجر رأس نووية تكتيكية بقدرة متبدلة (تترواح بين 0.3 إلى 50 كيلوطن) على عمق مغروس داخل الجرانيت، فإن موجة الصدمة تسبب انهياراً كاملاً لشبكة الأنفاق التحتية، وتدمير أجهزة الطرد المركزي الدقيقة عبر الارتجاج الزلزالي (Seismic Shaking) حتى لو لم تصل النيران المباشرة إلى الحجرة نفسها.
ثانياً: السيناريوهات العسكرية والبدائل قبل العبور للخط النووي
على الرغم من الفاعلية العسكرية للرأس النووي التكتيكي، إلا أن اتخاذ هذا القرار يواجه عقبات هائلة تنقل التفكير نحو بدائل تقليدية مبتكرة:
1. خيار "التكتيك التراكمي" بدلاً من الضرب المباشر (Sequential/Slamming Strikes)
بدلاً من قنبلة نووية، تعتمد العقيدة الجوية الأمريكية على تكتيك "إلقاء قنابل GBU-57 المتتالية على نفس النقطة" (Sequential Impact):
تُسقط الطائرة الاستراتيجية (B-2 Spirit أو B-21 Raider) قنبلتين أو أكثر من طراز GBU-57 MOP (تزن الواحدة نحو 14 طناً) لتصيبا ذات إحداثية الممر في الجبل بفارق ثوانٍ معدودة.
تجرف القنبلة الأولى الطبقة الصخرية الأولى وتحدث حفرة عميقة، لتغوص القنبلة الثانية داخل نفس الحفرة للوصول إلى عمق أكبر داخل الجرانيت.
2. تدمير "المنافذ وسلاسل الإمداد" (Egress & Functional Destruction)
إذا تعذر سحق الأنفاق العميقة بالكامل، يلجأ التخطيط العسكري إلى "القتل الوظيفي" (Functional Kill) للمجمع دون الحاجة لضربه نووياً:
استهداف مداخل الأنفاق، فتحات التهوية الاستراتيجية، ومحطات الطاقة ومصادر المياه الشديدة الحساسية.
دفن المداخل تحت آلاف التنانين من الركام الصخري عبر قصف دقيق لمنافذ الجبل، مما يحبس أجهزة الطرد واليورانيوم بالداخل ويحرم المنشأة من العمل كلياً.
ثالثاً: التكلفة السياسية والاستراتيجية للقرار النووي
إن إقدام إدارة أمريكية أو قرار إسرائيلي على استخدام سلاح نووي تكتيكي (حتى لو كان ضئيل التلوث الإشعاعي وتكتيكياً) سيواجه كوابيس استراتيجية:
كسر التابو النووي (Taboo Break): سيكون هذا أول استخدام للسلاح النووي في عمل حربي منذ عام 1945، مما يمنح الشرعية لدول أخرى (مثل روسيا، الصين، أو كوريا الشمالية) لاستخدام أسلحة نووية تكتيكية في النزاعات الإقليمية.
التلوث الإشعاعي الجوفي (Radioactive Fallout): التفجير النووي لاختراق الجبل سيفجر كميات هائلة من الغبار الصخري المشع الذي سينتشر عبر الرياح الإقليمية، مما يسبب كارثة بيئية وسياسية تطال دول المنطقة.
الرد غير المتناظر: قد يدفع الاستخدام النووي طهران إلى الخروج الفوري المباشر والسريع نحو إعلان دولة نووية عبر أصول أخرى أو السعي لضربات انتقامية غير تقليدية.
المقارنة التكتيكية بين خيارات استهداف المنشآت العميقة
| وجه المقارنة | الضربات التقليدية المتتالية (GBU-57 MOP) | الحصار الميداني و"القتل الوظيفي" | استخدام رأس نووي تكتيكي (B61-11/12) |
| نسبة النجاح الهيكلي | متوسطة إلى عالية (تحتاج دقة متناهية) | عالية (تعطيل العمليات كلياً) | مضمونة 100% (تدمير زلزالي) |
| التلوث البيئي والإشعاعي | معدوم (أسلحة تقليدية) | معدوم | عالي جداً (غبار وإشعاع جوفي) |
| التكلفة السياسية والدولية | مقبولة في إطار التصعيد العسكري | منخفضة ومقبولة تكتيكياً | كارثية (كسر المحظور النووي العالمي) |
| احتمالية القرار (إسرائيلي/أمريكي) | الخيار الأول والمفضل | الخيار المكمل والمؤكد | خيار الملاذ الأخير الممتنع |
خلاصة واستنتاج
يُشكل مجمع "جبل كولانغ" تحولاً جوهرياً في معركة الردع بين واشنطن وطهران؛ إذ أثبتت التجربة الميدانية أن الحلول الخرسانية والجغرافية التحت أرضية باتت الملاذ الأخير للدول لحماية أصولها الاستراتيجية. ومع استمرار التصعيد السياسي والتهديد بالضربات العسكرية، يظل الجرانيت العميق في كولانغ الاختبار الأقسى لقدرات الذخائر المخترقة للأنفاق في عصر الحروب الحديثة.
إن احتمال اتخاذ قرار أمريكي أو إسرائيلي باستخدام سلاح نووي تكتيكي ضد "جبل كولانغ" يظل سيناريو الملاذ الأخير (Last Resort) وضئيلاً جداً بحسابات الربح والخسارة الاستراتيجية.
تفضل واشنطن وتل أبيب دائماً خيارات "القتل الوظيفي" المتمثلة في سحق فتحات التهوية ومنافذ الأنفاق عبر قنابل MOP المتتالية، أو تنفيذ عمليات سيبرانية وميدانية معقدة تحول الجبل المحصن إلى "سجن مصفح" للأجهزة واليورانيوم بدلاً من العبور نحو المجهول النووي.
تعليقات
إرسال تعليق