كشف تقرير حديث نشره موقع The War Zone العسكري المتخصص في الشؤون الدفاعية، عن رصد تحركات إنشائية ضخمة داخل حوض بناء السفن COMEC/GSI التابع لشركة بناء السفن الحكومية الصينية (CSSC) في جزيرة "لونغشيو" جنوب شرق مدينة غوانزو. وتُشير البيانات والتحليلات المستندة إلى أحدث الصور الفضائية المتاحة حتى يوليو 2026، إلى أن بكين وضعت حجر الأساس لإنشاء أكبر سفينة دعم وإسناد بحري في العالم بالكامل. تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية لتشكل حجر الزاوية في تمكين مجموعات حاملات الطائرات الصينية من فرض سيطرتها وتنفيذ عمليات مستدامة بعيدة المدى في أعالي البحار أو ما يُعرف بعقيدة "المياه الزرقاء" (Blue-Water Navy).
أولاً: الأبعاد الهندسية والمواصفات الفنية للعملاق القادم
تُظهر الصور الفضائية المقربة أن السفينة الجديدة تتبنى تصميماً "وحشياً" وهيكلية ضخمة غير مسبوقة في تاريخ سفن التموين العسكري، حيث تم التركيز بالكامل على السعة الحجمية القصوى بدلاً من السرعة الخالصة:
الطول الإجمالي: يُقدر بحوالي 270 متراً (885 قدماً)، مما يجعلها أطول من العديد من السفن القتالية الرئيسية.
عرض البدن (القرينة): يصل إلى 37 متراً (121 قدماً) عند النقطة الأوسع، لضمان استقرار كامل أثناء عمليات الشحن وسط الأمواج العاتية.
الهندسة الإنشائية (Slab-sided): صُمم البدن بجوانب مسطحة ومستقيمة تماماً، وهي هندسة مخصصة لتعظيم القدرة الاستيعابية الداخلية للخزانات والعنابر، مما يتيح لها حمل كميات هائلة من وقود السفن، وقود الطائرات النفاثة، الذخائر الثقيلة، قطع الغيار، والمؤن الجافة.
التجهيزات العلوية والدعم العمودي (VERTREP): تضم السفينة هيكلاً فوقياً (Superstructure) في المقدمة يضم رادار القيادة وجسر الملاحة، يقابله هيكل منفصل في المؤخرة مخصص لقنوات العادم. كما تحتوي على مهبط مروحيات ضخم وحظيرة طائرات (Hangar) ببوابتين خلفيتين مزدوجتين لدعم عمليات النقل العمودي السريع.
أعمدة التموين أثناء الإبحار (UNREP): تظهر في منتصف السفينة أعمدة رأسية شاهقة ومطورة مخصصة لنقل الوقود والمواد الصلبة بالتوازي أثناء الإبحار والمحاذاة جنباً إلى جنب مع الحاملات والمدمرات.
ثانياً: مقارنة الحجم والقدرة الاستيعابية مع القطع العالمية
| وجه المقارنة | السفينة الصينية الجديدة (العملاق) | سفينة التموين الصينية الحالية (Type 901) | سفن التموين الأمريكية (John Lewis-class) |
| الطول الإجمالي | 270 متراً | 240 متراً | 227 متراً |
| عرض البدن | 37 متراً | 31 متراً | 32 متراً |
| الإزاحة التقريبية | تتجاوز 50,000+ طن | 45,000 طن | 49,000 طن |
توضح هذه المقارنة أن السفينة الجديدة تعد نسخة "مضخمة وموسعة جداً" من الجيل الحالي، وتتفوق بشكل صريح على أحدث سفن الدعم الأمريكية في القدرة الاستيعابية.
سفينة تموين من طراز 901، في الوسط، برفقة حاملة الطائرات لياونينغ، في الأعلى، وترافقان سفن حربية سطحية. الحكومة الصينيةثالثاً: الأهمية الاستراتيجية والعملياتية لسلاسل الإمداد الصينية
لطالما شكلت المعضلة اللوجستية العائق الأكبر أمام طموحات البحرية الصينية (PLAN) للتحول إلى قوة عالمية خارج نطاق بحر الصين الجنوبي. وتكمن الأهمية العملياتية لهذا العملاق في ثلاثة محاور رئيسية:
1. استدامة حاملات الطائرات ذات الدفع التقليدي
تمتلك الصين حالياً حاملات طائرات تعمل بالديزل والتوربينات الغازية (مثل الحاملات Liaoning و Shandong والحاملة الأحدث Fujian). هذه الحاملات ومجموعاتها القتالية المرافقة تستهلك كميات هائلة من الوقود لتسييرها، إلى جانب الحاجة المستمرة لوقود الطائرات المقاتلة (مثل J-15T) والذخائر الذكية. السفينة الجديدة ستعمل بمثابة "مستودع وقود وذخيرة عائم" يضمن بقاء المجموعة القتالية في عرض البحر لشهور متواصلة دون الحاجة للعودة للقواعد الأرضية.
2. الاستغناء عن الموانئ الصديقة والقواعد الخارجية
في سيناريوهات النزاعات الدولية الكبرى، قد ترفض الدول المحايدة استقبال السفن الحربية أو السماح لها بالتزود بالوقود في موانئها التجارية. هذا العملاق يمنح بكين استقلالية لوجستية كاملة ومكتفية ذاتياً في المحيطين الهادئ والهندي، مما يكسر طوق الحصار اللوجستي.
3. إسناد المجموعات البرمائية وحاملات الدرونات المستقبلية
لن يقتصر دور السفينة على دعم حاملات الطائرات التقليدية، بل يمتد ليكون الشريان المغذي للمجموعات البرمائية الهجومية الضخمة، وخاصة سفينة الهجوم البرمائي المستقبلية الحاملة للطائرات المسيرة من طراز Type 076 (المقدرة بـ 50,000 طن)، بالإضافة إلى الطرازات الحالية من فئة Type 075 و Type 071.
ملاحظة تحليلية: يُرجّح بعض الخبراء العسكريين أن هذا العملاق قد صُمم خصيصاً ليتناسب مع متطلبات الحاملة الصينية المستقبلية الضخمة من طراز Type 004، والتي تشير التقارير إلى أنها ستكون قفزة نوعية في تاريخ الأسطول الصيني.
رابعاً: الفجوة اللوجستية وتحديات الدفاع الأمريكية
يسلط التقرير الضوء على فجوة متزايدة ومقلقة بين قدرات بناء السفن التجارية والعسكرية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. فبينما واجهت البحرية الأمريكية مؤخراً تحديات لوجستية معقدة في منطقة الشرق الأوسط لإعادة تزويد سفنها وقواتها بالذخيرة والوقود، واضطرار بعض القطع للعودة للموانئ الحليفة البعيدة، تسير الصين بخطى متسارعة لإنشاء أسطول دعم لوجستي متكامل يحاكي منظومة "الخطوط اللوجستية المتحركة".
هذا التفوق في سرعة البناء وكفاءة الإمداد يمهد الطريق لبكين لفرض سيطرتها وإبراز قوتها العسكرية بعيداً عن حدودها الإقليمية، مما يضع استراتيجية التوازن الأمريكية في المحيط الهادئ أمام تحدٍّ غير مسبوق.
تعليقات
إرسال تعليق