ظلت منظومة الاتصالات الفضائية "ستارلينك" (Starlink) التابعة لشركة SpaceX إحدى أهم الركائز التكتيكية التي اعتمد عليها الجيش الأوكراني في إدارة المعارك، وتوجيه أسراب المسيرات، وتوفير الاتصالات المشفرة اللحظية لمراكز القيادة والسيطرة. إلا أن ظهور كوكبة "راسفيت" (Rassvet / Рассвет) الروسية، التي تطورها شركة Bureau 1440، يشير إلى بداية تحول راديكالي في توازن القوى الفضائية والتكتيكية فوق مسرح العمليات، وإنهاء فترة التفوق الفضائي أحادي الطرف.
أولاً: الخريطة التشغيلية ومعدلات الانتشار الميداني
وفقاً لتصريحات خبير الاتصالات الفضائية الأوكراني "فلاديمير ستيبانيتس"، فإن الكوكبة الأولى من الأقمار الصناعية الروسية بدأت بالفعل في تقديم تغطية اتصال تتجاوز ساعتين يومياً كحد أدنى فوق الأراضي الأوكرانية:
الدفعة الأولى:
تم إطلاق 16 قمراً صناعياً في نهاية مارس.
يتواجد حالياً 12 قمراً في المدار العملياتي المباشر.
3 أقمار في مرحلة التسلق التدريجي للوصول إلى ارتفاعها العملياتي البالغ 550 كم.
احتراق قمر صناعي واحد أثناء مرحلة الصعود.
كثافة التغطية ونوافذ الاتصال:
تشكلت سلسلة أقمار توفر مسارات تغطية مكثفة تتكرر مرتين يومياً، مع مرور دوري فوق مختلف المناطق بمعدل مرة كل 90 دقيقة.
أُطلقت دفعة ثانية تضم 16 قمراً إضافياً في نهاية يوليو، لتوفير "نوافذ اتصالات" إضافية.
تتجه روسيا لتوفير تغطية مدارية مستمرة على مدار 24 ساعة بحلول منتصف صيف 2027 عبر إطلاق دفعات دورية كل 4 أشهر.
ثانياً: التأثير العسكري والميداني على الضربات الروسية في العمق الأوكراني
لا يقتصر هدف منظومة "راسفيت" على الاتصالات اللاسلكية بين الجنود، بل يمتد ليشكل محركاً رئيسياً للجيل الجديد من أسلحة الضربات الدقيقة طويلة المدى:
1. التحكم المباشر بالمسيرات الانتحارية والجوالة في العمق (Real-time Video Guidance)
إلغاء قيود المدى اللاسلكي: كانت المسيرات الانتحارية طويلة المدى تدار سابقاً عبر إحداثيات مبرمجة مسبقاً بنظام GPS/GLONASS. دمج طرفيات "راسفيت" المصغرة على جسم المسيرات يمنح مشغليها قدرة البث المرئي المباشر عالي الدقة (HD Video Stream) من مسافات تتجاوز ألف كيلومتر.
تعديل المسار والتوجيه النقطي (Man-in-the-Loop): يتيح الربط الفضائي للمشغل الروسي تغيير هدف المسيرة في اللحظات الأخيرة، واختيار النقاط الأكثر حرجاً في البنية التحتية ومحطات الطاقة، أو مطاردة الأهداف المتحركة داخل العمق بنسبة خطأ شبه صفرية.
2. مقاومة منظومات الحرب الإلكترونية وتشويه الـ GPS
نجحت الدفاعات الجوية سابقاً في تحييد بعض المسيرات والصواريخ عبر التزييف الراداري وإشارة الـ GPS (Spoofing).
الاتصال الفضائي المباشر عبر أقمار "راسفيت" يعمل بشعاع كهرومغناطيسي ضيق موجه رأسياً إلى السماء، مما يجعل حجب الإشارة أو التشويش عليها بواسطة المنظومات الأرضية أمراً في غاية الصعوبة.
3. تقليص "سلسلة القتل" التكتيكية (Shortening the Kill Chain)
يتيح وجود شبكة فضائية روسية خفيفة وسريعة الربط بين طائرات الاستطلاع عالية الارتفاع وبطاريات الصواريخ التكتيكية وطائرات الجيل الخامس.
عند رصد هدف ثمين في العمق (مثل منصات دفاع جوي أو طائرات على المدرجات)، تنقل البيانات فوراً عبر شبكة "راسفيت" لتنفيذ ضربة صاروخية خاطفة خلال دقائق معدودة قبل مغادرة الهدف موقعه.
ثالثاً: القائمة الكاملة للأسلحة والمنظومات الروسية المستفيدة من شبكة "راسفيت"
إن ربط هذه الأسلحة بطرفيات (Terminals) كوكبة "راسفيت" يحولها من منظومات تعتمد فقط على الإحداثيات المسبقة الصنع، إلى أسلحة تفاعلية موجهة فضائياً في الوقت الفعلي (Real-Time Satellite Data-Link):
1. الطائرات المسيرة الانتحارية والذخائر المتسكعة (Loitering Munitions)
سلسلة مسيرات "جيران" (Geran-2 / Geran-3):
الفائدة العملياتية: استبدال الاعتماد الكلي على إشارات الـ GPS/GLONASS المعرضة للتشويش بحزم اتصال فضائية تشفر نقل الفيديو اللحظي (HD). يتيح هذا للمشغلين رصد الهدف قبل الاصطدام، وتغيير المسار، أو ملاحقة الأهداف المتحركة كأنظمة الدفاع الجوي والقطارات العسكرية في أعمق نقطة بالغرب الأوكراني.
مسيرات "لانسيت" الممتدة المدى (Izdeliye-51 / Izdeliye-52 - Extended Range Lancet):
الفائدة العملياتية: التغلب على عقبة انقطاع الإشارة اللاسلكية عند الطيران على ارتفاعات منخفضة جداً خلف التلال. الاتصال الفضائي يرفع مدى "لانسيت" العملياتي ويسمح بصيد بطاريات Patriot وHIMARS المخفية خلف خطوط المواجهة.
2. الصواريخ الجوالة بعيدة المدى (Cruise Missiles)
صاروخ "خا-101" (Kh-101) النسخة المحدثة:
الفائدة العملياتية: يعتمد الصاروخ حالياً على نظام الملاحة العطالي ونظام التوجيه البصري (Otblesk-U). دمج طرفية اتصال "راسفيت" يتيح للصاروخ استقبال تحديثات إحداثيات الهدف أثناء الطيران (In-flight Target Update) لتجنب مناطق الدفاع الجوي النشطة المكتشفة حديثاً.
صواريخ "كالبر" البحرية (Kalibr 3M-54) وصواريخ "إسكندر-ك" (Iskander-K):
الفائدة العملياتية: تمكين الصواريخ المنطلقة من السفن أو المنصات البرية من إجراء مناورات خداعية معقدة وتعديل مسارها بنسبة خطأ لا تتعدى أمتاراً قليلة عبر التوجيه الفضائي المستمر.
3. الصواريخ التكتيكية والباليستية السريعة
منظومة "إسكندر-إم" الباليستية (Iskander-M):
الفائدة العملياتية: تقليص زمني هائل لـ "سلسلة القتل" (Kill Chain). عند التقاط مسيرة استطلاع هدفا حرجاً (مثل تجمع قيادي أو طائرة على المدرج)، تُنقل البيانات عبر شبكة "راسفيت" فوراً إلى منصة إطلاق "إسكندر" ليرتطم الصاروخ بالهدف خلال أقل من 5 دقائق.
4. قنابل الطيران الموجهة ومجمعات التوجيه (UMPK Kits)
القنابل الانزلاقية الموجهة (FAB-500/1500/3000 المزودة بموديول UMPK):
الفائدة العملياتية: تتعرض وحدات التوجيه بالقمر الصناعي (Cometa-M) في القنابل الانزلاقية للتشويش المكثف عند اقترابها من الجبهة. دمج استقبال الإشارة الفضائية الضيقة عبر "راسفيت" يحصن هذه القنابل ثقيلة الوزن ضد الحرب الإلكترونية ويضمن ضرب الاستحكامات بدقة متناهية.
5. طائرات الجيل الخامس والمنصات غير المأهولة المقاتلة
مقاتلات Su-57 ومسيرات "أوخوتنيك" (S-70 Okhotnik):
الفائدة العملياتية: العمل كـ "عقد نارية خفية". تستطيع هذه المنصات التسلل وإطلاق ذخائرها دون الحاجة لتشغيل راداراتها الخاصة، عبر الاعتماد الكلي على كوكبة "راسفيت" الفضائية لاستلام صور الميدان وإحداثيات الأهداف برابط بيانات آمن.
رابعاً: التصنيع الكمي للطرفيات الميدانية (Terminals)
تستعد شركة Bureau 1440 لبدء الإنتاج المكثف لمحطات الاستقبال الفضائي الصغيرة لتجهيز وحدات الخطوط الأمامية. وتتميز هذه المحطات بإمكانية تركيبها على المدرعات، أجهزة الاستطلاع المتحركة، والمنصات غير المأهولة، مما يمنح الجيش الروسي شبكة اتصالات لامركزية ومحميّة من الاختراق، على غرار الميزة التشغيلية التي وفرتها ستارلينك للجيش الأوكراني خلال المراحل الأولى من الحرب.
الخلاصة
يُمثل دخول منظومة "راسفيت" الفضائية الخدمة العملية تحولاً استراتيجياً في عقيدة الحرب الحديثة لدى القوات الروسية؛ حيث يُنهي حالة الاحتكار التي فرضتها شبكات الاتصالات الغربية، ويحول الأسلحة والمسيرات الروسية من مجرد أدوات مسيرة ذاتية إلى منصات ذكية موجهة فضائياً قابلة للتكيف والسيطرة المباشرة في أعمق نقطة من مسرح العمليات.
المصدر: Arab-Military.
تعليقات
إرسال تعليق