في خطوة تعكس التحول الجذري في عقيدة الدفاع الجوي الحديثة، أعلنت المديرية العامة للتسليح الفرنسية (DGA) عن نجاحها في دمج صواريخ موجهة بالليزر عيار 68 ملم على مقاتلات "رافال" (Rafale). يأتي هذا التحديث العاجل لتزويد الطائرات بقدرة اعتراضية منخفضة التكلفة ومخصصة أساساً لاصطياد الطائرات المسيرة الانتحارية بعيدة المدى، مثل طائرات "شاهد" الإيرانية وعائلة "جيران" الروسية.
تحت مظلة برنامج عاجل يُعرف باسم LADAC (القدرة المخصصة لمكافحة الدرونات على الطائرات المقاتلة)، نجحت فرنسا في إتمام عمليات الدمج والاختبار خلال فترة قياسية لم تتجاوز 8 أشهر.
دوافع القرار: معضلة الملايين مقابل الآلاف
جاء الإعلان الفرنسي مدفوعاً بـ "عدم الجدوى الاقتصادية" للاستراتيجيات الحالية. فخلال التصعيد الأخير في الشرق الأوسط (مثل عمليات الدفاع الجوي في الخليج والمنطقة)، اضطرت مقاتلات الرافال الفرنسية إلى إطلاق عشرات من صواريخ MICA الموجهة لاعتراض مسيرات انتحارية رخيصة.
الفجوة الاقتصادية: تبلغ تكلفة صاروخ "ميكا" (MICA) الجوي الواحد ما يقارب مليونين إلى مليوني ونصف المليون دولار. وفي المقابل، لا تتعدى تكلفة طائرات الدرون الانتحارية بضعة آلاف من الدولارات (حوالي 20,000 إلى 50,000 دولار للدرون الواحد).
وكما صرح رئيس أركان سلاح الجو والفضاء الفرنسي، الجنرال جيروم بيلانجر: "إنه أمر غير مستدام تكنولوجياً واقتصادياً أن نطلق صواريخ بمليون يورو لأسقاط درون ببضعة آلاف من الدولارات. يجب أن نجد حلولاً بديلة منخفضة التكلفة."
المواصفات التقنية لمنظومة الرافال الجديدة
اعتمدت فرنسا حلاً محلياً متطوراً بالتعاون مع شركتي "داسو" (Dassault) و"تاليس" (Thales) يتكون من:
الصاروخ المستعمل: يُعتقد أنه صاروخ Aculeus-LG الموجه بالليزر عيار 68 ملم، بمدى فعال يصل إلى حوالي 3.7 ميل (6 كيلومترات).
الحواضن (Pods): تُحمل الصواريخ في حواضن من طراز Thales Telson JF12، حيث يستوعب الحاضن الواحد 12 صاروخاً.
التوجيه والرصد: يتم رصد وتتبع الهدف عبر تعديلات برمجية أُدخلت على رادار الرافال النشط RBE2، بينما يتولى حاضن الاستهداف البصري المتطور Talios عملية تعيين الهدف وإضاءته بأشعة الليزر حتى لحظة الارتطام.
الفوائد التكتيكية: عمق مخزن الذخيرة والتكلفة الضئيلة
إلى جانب حل معضلة التكلفة (حيث لا تتجاوز تكلفة الصاروخ الموجه بالليزر ما بين 15 إلى 25 ألف دولار)، تحقق المنظومة ميزتين استراتيجيتين:
زيادة مخزون الذخيرة (Magazine Depth): بدلاً من حجز نقطة تعليق كاملة تحت جناح المقاتلة لصاروخ جو-جو واحد، تتيح حواضن الصواريخ الجديدة حمل 12 صاروخاً في نقطة تعليق واحدة، مما يمنح المقاتلة قدرة على التعامل مع أسراب واسعة من المسيرات في طلعة جوية واحدة دون الخوف من نفاد الذخيرة.
التعامل مع الأهداف البطيئة: تُعد الصواريخ الموجهة بالليزر مثالية لاستهداف الأهداف الجوية ذات المقطع الراداري الصغير والتي تطير ببطء ومسار ثابت (مثل الكروز والمسيرات)، حيث لا تحتاج المقاتلة هنا لمناورات صعبة أو صواريخ عالية الديناميكية.
توجه عالمي متسارع
لا تُعد فرنسا مبتكرة هذا التوجه؛ بل تسير على خطى دول كبرى سبقتها في هذا المضمار تلبيةً لمتطلبات القتال المعاصر:
الولايات المتحدة الأمريكية: كانت السباقة بدمج صواريخ APKWS عيار 70 ملم (2.75 إنش) الموجهة بالليزر على مقاتلات F-16 وF-15E وA-10، واستخدمتها بنجاح كبير في إسقاط مسيرات الحوثيين والمسيرات الإيرانية في الأجواء العراقية والسورية والدفاع عن إسرائيل.
المملكة المتحدة: أعلنت مؤخراً عن تزويد مقاتلات "يوروفايتر تايفون" بصواريخ APKWS لنفس الغرض لدعم العمليات في الشرق الأوسط.
آفاق التصدير (بما في ذلك الشرق الأوسط وأوكرانيا)
من المتوقع ألا تقتصر هذه القدرة الجديدة على سلاح الجو الفرنسي فقط؛ بل ستكون ميزة تسويقية وتحديثاً هاماً لعملاء المقاتلة الفرنسية حول العالم:
الشرق الأوسط: تمتلك دول مثل قطر ومصر والإمارات (التي ستستلم طائراتها قريباً) أساطيل من الرافال، وتواجه هذه الدول تهديدات مستمرة من الطائرات المسيرة الإقليمية، مما يجعل هذا التحديث حيوياً لأمنها.
أوكرانيا: نظراً لأن فرنسا خططت سابقاً لدمج هذه الصواريخ على طائرات ميراج 2000D، فمن المحتمل جداً أن ينتهي المطاف بهذه التكنولوجيا في أيدي الأوكرانيين لحماية أجوائهم ضد مسيرات جيران الروسية.
المصدر: موقع The War Zone (TWZ) - بقلم توماس نيوديك (13 يوليو 2026).
تعليقات
إرسال تعليق