القائمة الرئيسية

الصفحات

التحول في العقيدة المدفعية الصاروخية الأمريكية: مشروع الصاروخ الرخيص فائق السرعة AHSS

 



تخوض القوات البرية الأمريكية تحولاً مفصلياً هو الأكبر منذ انتهاء الحرب الباردة، ليس فقط على مستوى المدى والمدفعية، بل على مستوى "اقتصاديات الحروب المشبعة" (Attrition Economics).

يعكس إعلان قيادة تطوير القدرات القتالية للجيش الأمريكي (DEVCOM AvMC) خلال المؤتمر السنوي للدفاع الصاروخي والفضاء (SMD) عن مشروع الصاروخ الهجومي AHSS (Affordable High-Speed Strike) بداية عصر جديد يُنهي هيمنة الذخائر الفائقة التكلفة والمحدودة العدد، لصالح "الإنتاج الكمي المرن ذو المدى الممتد".

1. الدوافع الاستراتيجية: أزمة "المخزون الباهظ" والدروس الميدانية

جاء التحرك الأمريكي باتجاه برنامج AHSS نتيجة لتداخل ثلاثة عوامل استراتيجية وميدانية حاسمة:

  • الفاتورة الباهظة لصواريخ PrSM: بالرغم من دخول صاروخ الضربة الدقيقة PrSM (Increment 1) الخدمة كبديل لصواريخ ATACMS، إلا أن كلفته المرتفعة التي تصل إلى 1.5 مليون دولار للصاروخ الواحد جعلت استخدامه المكثف غير مستدام في أي نزاع طويل الأمد ضد خصم متكافئ (مثل الصين أو روسيا).

  • معضلة سلاسل التوريد (Long-Lead Items): يتطلب تصنيع وتوريد صواريخ PrSM وقتاً يُقاس بالسنوات من تاريخ وضع الطلبيات، مما يعني عدم القدرة على التعويض السريع للذخائر المستهلكة في مسارح القتال الحديثة.

  • إلغاء معاهدة القوات النواوية متوسطة المدى (INF): أتاح انهيار معاهدة INF لعام 2019 للجيش الأمريكي حرية تطوير منصات باليستية ومجنحة أرضية يقع مداها العملياتي بين (500 إلى 5,500 كم)، وهو ما يملأ الفراغ التكتيكي الحالي في فئة الصواريخ الباليستية متوسطة المدى (MRBM).

2. الهندسة التكنولوجية والخيارات التصميمية لـ AHSS

تظهر العروض الأولية لـ DEVCOM أن مشروع AHSS ليس مجرد صاروخ واحد، بل هو مسار اختبار لتصميمين هندسيين مختلفين جذرياً يحققان مدى يتجاوز 1,000 كم (621 ميلاً):

أ. الخيار الباليستي التقليدي (Ballistic Configuration)

  • التصميم: هيكل أسطواني تقليدي يعمل بالوقود الصلب مزود بذيل توجيه صليبي الشكل (Cruciform Fin Arrangement).

  • المميزات: تكلفة إنتاج أقل، تحليق في طبقات الجو العليا بسرعة فائقة، وموثوقية عالية ضد منظومات التشويش الإلكتروني.

ب. الخيار النفاث ذو السحب الهوائي (Air-Breathing Propulsion)

  • التصميم: تصميم يدمج مدخل هواء أمامي (Nose Intake) مخصص للمحركات النفاثة الضغطية العالية (Ramjet / Scramjet) مع أجنحة تثبيت طولية (Stabilizing Strake).

  • المميزات: القدرة على المناورة داخل الغلاف الجوي بمستويات منخفضة لتفادي الرادارات المخصصة للدفاع الصاروخي الباليستي، مع الحفاظ على سرعات فائقة (High Speed).

3. التكامل مع المنصات والتحول التكتيكي لـ HIMARS

أحد أهم جوانب مشروعي AHSS وPrSM هو المرونة الإطلاقية وعدم الانغلاق على منصات معقدة:

[منظومات الإطلاق المستهدفة لصاروخ AHSS
        راجمات M142 HIMARS (مأهولة - 6x6)
        راجمات M270A2 MLRS (مجنزرة - مأهولة)
        راجمات CAML / AML (مستقلة - غير مأهولة)
  1. تحويل HIMARS إلى منصة إستراتيجية: عبر استخدام الحاويات المعيارية (Standardized Pods)، سيسمح صاروخ AHSS لشاحنة HIMARS الخفيفة بتوجيه ضربات استراتيجية على مسافة 1,000 كم، بعد أن كان أقصى مدى لها يتراوح بين 70 إلى 300 كم.

منصة صواريخ هيمارس M142 التابعة للجيش الأمريكي تطلق صاروخًا موجهًا عيار 227 ملم. ويقول الجيش إن هذه المركبة من بين المركبات التي يمكن استخدامها لإطلاق صواريخ AHSS في المستقبل.



  1. منصات CAML المستقلة: يطور الجيش بالتوازي راجمات آلية غير مأهولة (Common Autonomous Multi-Domain Launcher). إقران هذه المنصات غير المأهولة بصواريخ AHSS رخيصة التكلفة يتيح نشر القوات في جزر ونقاط أمامية خطرة (Expeditionary Advanced Base Operations) دون تعريض أطقم بشرية للخطر.

كان النموذج الأولي للنسخة غير المأهولة من HIMARS التي تظهر هنا، والتي تسمى Autonomous Multi-Domain Launcher (AML)، بمثابة نقطة انطلاق مهمة لبرنامج CAML. الجيش الأمريكي النموذج الأولي لقاذفة النطاقات المتعددة المستقلة (AML). الجيش الأمريكي


4. البعد العملياتي: مهمة "الضد-جوي الهجومي" (Offensive Counter-Air)

على عكس الأدوار التقليدية لل مدفعية (دعم القوات البرية القريبة)، تم إدراج صاروخ AHSS بشكل صريح لتنفيذ مهام OCA:

تعريف OCA التكتيكي: "عمليات هجومية تستهدف تدمير أو تحييد طائرات الخصم، صواريخه، منصات إطلاقه، والبنية التحتية الداعمة لها في المدى القريب من مصادرها وقبل إطلاقها."

يعني ذلك أن الجيش الأمريكي يتجهز لتدمير القواعد الجوية ومحطات الدفاع الجوي (A2/AD) التابعة للخصوم في العمق بواسطة المدفعية الصاروخية الأرضية، مما يرفع العبء عن القوات الجوية (USAF) ويسمح لها بالسيادة الجوية لاحقاً.

5. الشراكات الدولية والتحالفات (أستراليا وسلاح المارينز)

  • الشراكة الأسترالية: كشفت التقرير أن أستراليا تعد شريكاً رسمياً ودولياً في أبحاث وتطوير AHSS. يخدم هذا الصاروخ متطلبات استراتيجية الدعم المتبادل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (Indo-Pacific) لمواجهة التمدد الصيني.

  • اهتمام سلاح المارينز (USMC): بعد إلغاء سلاح المارينز لخططه السابقة بنشر صواريخ توماهوك على مركبات 4x4 صغيرة غير مأهولة، بات يُبدي اهتماماً كبيراً بـ AHSS كبديل خفيف، طويل المدى، وأقل تكلفة يتناسب مع عقيدة القتال الموزع بين الجزر.

جدول مقارنة تحليلي بين منظومات الضربات الأرضية الحديثة للجيش الأمريكي:

المنظومةالمدى التشغيلينوع الصاروخالتكلفة التقديريةمنصة الإطلاق الرئيسية
ATACMS (الحالي)300 كمباليستي قصير المدى~$1-1.5 مليونHIMARS / M270
PrSM Inc 1~500 - 650 كمباليستي موجه~$1.5 مليونHIMARS / M270
Typhon (Tomahawk/SM-6)400 - 1,600 كممجنح / متعدد الأغراض~$2 - 4 مليونشاحنات مخصصة (تعتمد على مقطورات)
Dark Eagle (LRHW)~3,500 كمفرط صوتي (Hypersonic)باهظ جداً (عشرات الملايين)منصات إطلاق ثقيلة مخصصة
AHSS (المستقبلي)+1,000 كمباليستي / نفاث ضغطيمنخفضة (Targeting Low-Cost)HIMARS / M270 / CAML

عرض لشركة Lockheed Martin لتصميم صاروخ يتنفس الهواء مرتبط بعملها على مفهوم Increment 4 PrSM. لوكهيد مارتن

الخلاصة والتوقعات

يمثل برنامج AHSS الإجابة الأمريكية على معضلة "الاستنزاف" في الحروب الحديثة. لم يعد الهدف فقط امتلاك الصاروخ الأكثر دقة أو السرعة، بل الصاروخ الفعال ذو المدى الاستراتيجي الذي يمكن إنتاجه بالآلاف وبكلفة اقتصادية مقبولة.

ومع تخصيص 94.2 مليون دولار في ميزانية السنة المالية 2027 لأبحاث هذا البرنامج، من المتوقع أن تبدأ النماذج الأولية الحقيقية لـ AHSS بالظهور والتجربة الميدانية خلال الأعوام الثلاثة القادمة.


المصدر : TWZ 

تعليقات

التنقل السريع