في خطوة تاريخية تكشف عن تحول جذري في استراتيجية التسلح والإنتاج العقائدي للجيش الأمريكي، أبرم البنتاغون اتفاقيات إطارية جديدة مع ثلاثة من كبار مقاولي الدفاع لمباشرة تنفيذ برنامج طموح يسعى لشراء آلاف صواريخ كروز (الجوّالة) منخفضة التكلفة خلال السنوات القليلة المقبلة. تأتي هذه الصفقات لدعم برنامج القوات الجوية الأمريكية المعروف باسم "عائلة الصواريخ الوفيرة ميسورة التكلفة" (Family of Affordable Mass Munitions - FAMM)، والذي يهدف إلى الاستحواذ على قرابة 28,000 صاروخ خلال السنوات الخمس المقبلة، ليكون بمثابة طوفان صاروخي تكتيكي يهدف لإغراق دفاعات العدو الجوية وتأمين التفوق العددي المطلق في الصراعات الكبرى المحتملة.
أولاً: فلسفة البرنامج: "الكمّ يصنع الجودة كلفةً وتأثيراً"
لطالما اعتمدت العقيدة العسكرية الأمريكية تاريخياً على صواريخ كروز فائقة التطور وباهظة الثمن، مثل صواريخ JASSM و Tomahawk، والتي تتراوح كلفة المقذوف الواحد منها بين 1.5 إلى مليوني دولار. إلا أن دروس الحروب الحديثة وحروب الاستنزاف المستعرة أثبتت أن مخزونات الصواريخ الذكية عالية الكلفة تنفد بسرعة تفوق قدرة الخطوط الإنتاجية المصنعة على التعويض.
من هنا ولدت فلسفة FAMM:
الكلفة المستهدفة: يسعى البنتاغون لإنتاج الصاروخ الواحد بكلفة لا تتعدى 250,000 دولار فقط عند بدء الإنتاج التجاري الواسع.
الجدوى الاقتصادي: تمثل هذه القيمة ربع كلفة الصواريخ الحالية، مما يسمح بنقل الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة تضمن التفوق في حرب استنزاف طويلة الأمد.
ثانياً: الهندسة العسكرية لبرنامج FAMM وخيارات منصات الإطلاق
لا يعتمد البرنامج على تصميم هندسي موحد، بل يضم عائلة من الصواريخ المهجنة تكنولوجياً لتلائم مختلف المهام والتكتيكات ومنصات الإطلاق، ويمكن تقسيمها وفق الجدول الفني التالي:
| الفئة والطراز | آلية الإطلاق المعتمدة | المدى العملياتي | السرعة والتوجيه | الهدف الرئيسي |
| FAMM-L (Launched) | تقليدي ومباشر من نقاط التعليق تحت أجنحة المقاتلات والقاذفات. | 460 - 925 كم | دون صوتية (~0.7 ماخ) | إشباع دفاعي واستهداف تكتيكي |
| FAMM-P (Palletized) | منصات نقالة (صناديق/بانصات) تُلقى من مؤخرة طائرات الشحن العسكري. | 460 - 925 كم | دون صوتية (~0.7 ماخ) | إطلاق كمي مكثف من مسافات آمنة |
| FAMM-BAR (Beyond Area Reach) | الأولوية لأسلوب المنصات النقالة (FAMM-P BAR)، والمقاتلات كخيار ثانوي. | 1,850 - 2,220 كم | دون صوتية متطورة | سفن الإمداد، القطع اللوجستية والبحرية بطيئة الحركة للعدو |
ثالثاً: الأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية (مسرح المحيط الهادئ)
يرى المراقبون العسكريون ومحللو الشؤون الدفاعية أن برنامج FAMM موجه بالدرجة الأولى لمواجهة القدرات البحرية والجوية المتنامية للصين في المحيط الهادئ، وتحديداً لكسر استراتيجية بكين المعروفة باسم "منع الوصول وتأمين المنطقة" (A2/AD):
عملاق لوجستي جديد في مياه غوانزو: كيف تخطط الصين لكسر القيود الجغرافية لأسطولها البحري؟
1. استراتيجية الإشباع الصاروخي (Saturation Attack)
بفضل التكلفة المنخفضة، يمكن لسلاح الجو الأمريكي إطلاق مئات الصواريخ من طراز FAMM في الموجة الهجومية الأولى. هذا التكتيك يجبر منظومات الدفاع الجوي المعادية على استهلاك صواريخها الاعتراضية الثمينة والنادرة ضد أهداف رخيصة، مما يفتح ثغرات واسعة ويمهد الطريق للصواريخ الأكثر دقة والمقاتلات الشبحية (مثل F-35 و B-21 Raider) لضرب عمق العدو بحد أدنى من المخاطر.
2. مفهوم "الشاحنة الطائرة" وتحويل أسطول النقل
عبر دمج صواريخ FAMM-P مع طائرات الشحن العسكري الضخمة مثل (C-17 Globemaster و C-130 Hercules)، يتحول أسطول النقل الجوي اللوجستي الأمريكي بأكمله إلى قاذفات صواريخ استراتيجية مرعبة. هذا المفهوم يلغي الحاجة الملحة لتطوير وبناء قاذفات شبحية جديدة باهظة الكلفة، ويستغل الأسطول الحالي كقوة هجومية ساحقة.
خلاصة واستنتاجات
يمثل برنامج FAMM إقراراً استراتيجياً أمريكياً صريحاً بنهاية عصر النزاعات المحدودة والحروب الخاطفة، والعودة الرسمية إلى عصر "الحروب الصناعية الكبرى" التي يحسمها في النهاية "الكم الوفير" والقدرة الاستيعابية والمرونة الاقتصادية للاقتصاد الحربي. بإنتاج 28,000 صاروخ كروز رخيص، يعيد البنتاغون رسم خريطة الردع التقليدي والتوازن العسكري في القرن الحادي والعشرين.
تعليقات
إرسال تعليق