في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التوترات الجيوسياسية حول العالم، يواجه البنتاغون أزمة داخلية صامتة قد تكون أخطر من التهديدات الخارجية؛ أزمة تتعلق بالوقت، والقدرة على الإنتاج، وواقعية الخطط العسكرية.
وفقاً لتقرير حديث وصادم صادر عن مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية (GAO) — الذراع الرقابي للكونغرس الأمريكي — فإن وزارة الدفاع تعيش معاناة حقيقية في الوفاء بمواعيد تسليم أنظمة الأسلحة، رغم الوعود المتكررة بسد العجز وتعويض المخزونات العسكرية العاجلة التي استُنزفت بمليارات الدولارات في المواجهات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط ضد إيران.
أرقام صادمة وتأجيل مستمر
أبرز ما جاء في تقرير اللجنة الرقابية للكونغرس هو مؤشر الوقت؛ حيث قفز متوسط فترة تسليم الأسلحة الجاهزة للقتال هذا العام إلى أكثر من 12 عاماً. هذا الرقم لا يعكس بطء الإجراءات الفنية فحسب، بل يشير إلى عجز بنيوي في "سلسلة التوريد والتصنيع الدفاعي" تفشل معه كل محاولات الإصلاح الرامية إلى تسريع الوتيرة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التأخير، بل امتد إلى "الضبابية التخطيطية"، حيث أشار التقرير إلى أن البنتاغون في عدة برامج رئيسية لشراء الأسلحة:
فشل في وضع مواعيد نهائية جديدة للأنظمة المتأخرة.
شهد تأجيلاً مستمراً للمراحل البينية الحرجة (Interim Stages) المخصصة لتقييم المشاريع.
أرجأ اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق ببعض البرامج العسكرية الأكثر كلفة وتطوراً في ميزانية الدفاع الأمريكية.
هذا التباطؤ دفع خبراء الكونغرس إلى طرح تساؤل جوهري ومقلق: إلى أي مدى تبدو الجداول الزمنية للبنتاغون واقعية، أم أنها مجرد حبر على ورق؟
معضلة "الاستنزاف" مقابل "الجمود الفيزيائي"
تأتي أهمية هذا التقرير من التوقيت؛ فالولايات المتحدة خرجت من جولات تصعيد عسكرية مكلفة أدت إلى إنهاك مخزوناتها الاستراتيجية من الصواريخ الذكية، والذخائر الموجهة، والأنظمة الدفاعية. في المقابل، تتبع البيروقراطية العسكرية الأمريكية عقلية تعتمد على الإغراق التكنولوجي الرقمي وتطوير قمرات قيادة بالغة التعقيد، متناسية القوانين الفيزيائية والصناعية التي تحكم خطوط الإنتاج على أرض الواقع.
وعندما يتطلب بناء منظومة قتالية متكاملة أو تحديثها أكثر من عقد من الزمن، فإن القدرة على الردع الفوري تتآكل. العدو المفترض لن ينتظر 12 عاماً حتى يكمل البنتاغون سد ثغراته التموينية والتصنيعية.
الخلاصة: السقوط في فخ "السراب الرقمي"
الخطورة الكامنة وراء تقرير الـ (GAO) هي أن الطيارين والجنود الأمريكيين قد يجدون أنفسهم مستقبلاً مجهزين بأحدث قمرات القيادة الرقمية والأنظمة التقنية التي تمنحهم صورة فائقة الدقة والوضوح لساحة المعركة، ولكن دون وجود أعداد كافية من الطائرات أو الذخائر الفعلية القادرة على الحسم؛ بسبب عجز خطوط الإنتاج عن مجاراة الواقع.
تأجيل القرارات في البرامج الكبرى وتمديد الجداول الزمنية يثبتان أن المجمع الصناعي العسكري الأمريكي بحاجة إلى ثورة حقيقية لإعادة هيكلة منظومة المشتريات والدفاع، وإلا فإن "التفوق التكنولوجي الأمريكي" سيتحول قريباً إلى ميزة نظرية لا تجد ما يسندها في مصانع السلاح.

تعليقات
إرسال تعليق