ستخصص حكومة المملكة المتحدة ملياري جنيه إسترليني
لمكافحة الغواصات الروسية في القطب الشمالي كجزء من برنامج "أتلانتيك باستيون" الذي يتضمن نشر شبكة من أجهزة الاستشعار في البحر النرويجي.
اطلقته حكومة المملكة المتحدة. البرنامج مصمم خصيصاً لمواجهة التهديد المتزايد من الغواصات الروسية في شمال الأطلسي والمناطق القطبية الشمالية (High North)، ويشمل بناء شبكة استشعار متقدمة تمتد إلى البحر النرويجي.
ومع ذلك، الاستثمارات المعلنة حتى الآن هي في حدود عشرات الملايين من الجنيهات (مع مساهمة صناعية كبيرة)، وهو جزء من إنفاق دفاعي أوسع يشمل صفقة فرقاطات بـ10 مليارات جنيه مع النرويج. قد يكون الرقم تقديراً أو جزءاً من حزمة أكبر.
الخلفية الاستراتيجية
تعود أهمية هذا البرنامج إلى التهديد الروسي المتجدد تحت سطح البحر. روسيا تمتلك أسطولاً شمالياً قوياً (Northern Fleet) مقره في شبه جزيرة كولا في القطب الشمالي. الغواصات الروسية (هجومية SSN وباليستية SSBN) تخرج من قواعدها عبر البحر النرويجي وبحر بارنتس للوصول إلى شمال الأطلسي.
المنطقة الحرجة تُعرف بـفجوة GIUK (Greenland–Iceland–UK Gap)، وهي ممر استراتيجي تقليدي منذ الحرب الباردة لمنع مرور الغواصات السوفييتية (والروسية الآن) إلى المحيط الأطلسي.
زاد النشاط الروسي بنسبة حوالي 30% في المياه البريطانية خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك سفن التجسس مثل Yantar التي تُتهم برسم خرائط للكابلات البحرية. هناك مخاوف حقيقية من عمليات تجسس أو تخريب محتمل للبنية التحتية الحيوية تحت الماء (Critical Undersea Infrastructure - CUI)، مثل كابلات الإنترنت وأنابيب الطاقة والغاز.
أُعلن البرنامج رسمياً في 8 ديسمبر 2025 ضمن المراجعة الاستراتيجية الدفاعية 2025 (Strategic Defence Review 2025)، كجزء من تحول البحرية الملكية نحو "القوة الهجينة" (Hybrid Navy) التي تجمع بين المنصات المأهولة والأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي.
أهداف البرنامج الرئيسية
الكشف المبكر والتتبع المستمر للغواصات الروسية.
حماية البنية التحتية البحرية الحيوية.
ردع روسيا ومنع مرور غواصاتها دون اكتشاف.
تحرير السفن والطائرات المأهولة باهظة التكلفة لمهام أخرى عبر الاعتماد على أنظمة غير مأهولة.
بناء "شبكة استشعار ثورية" تمتد من سلسلة جبال وسط الأطلسي إلى البحر النرويجي.
المكونات الرئيسية للبرنامج
1. المنصات المأهولة:
فرقاطات Type 26 (الجيل الجديد المضاد للغواصات): سفن متقدمة جداً بتصميم معياري يسمح بترقية سريعة. هناك صفقة كبرى مع النرويج لشراء فرقاطات بريطانية الصنع (جزء من أسطول مشترك لا يقل عن 13 فرقاطة مضادة للغواصات).
طائرات P-8 Poseidon: طائرات دورية بحرية أمريكية الصنع (تستخدمها بريطانيا) مزودة بسونار عائم (sonobuoys) وأنظمة كشف متقدمة.
2. الأنظمة غير المأهولة والمستقلة (العمود الفقري للبرنامج):
Herne (XLAUV): غواصة كبيرة جداً غير مأهولة من تطوير BAE Systems (أول غواصة عسكرية بريطانية مستقلة بهذا الحجم). مزودة بنظام تحكم ذاتي كامل يُدعى Nautomate.

مركبات غير مأهولة سطحية وبحرية أخرى (مثل Type 92 USV و Type 93 XLUUV).
طائرات شراعية بحرية (gliders) مثل SG-1 Fathom من Helsing.
أنظمة مثل Anduril Seabed Sentry.
3. شبكة الاستشعار والذكاء الاصطناعي:
أجهزة استشعار صوتية متقدمة (acoustic sensors) وسونار عائم.
معالجة البيانات بالذكاء الاصطناعي لتصفية الإشارات وتحديد الأهداف.
مركز عمليات بعيد (Remote Operations Centre) يديره البحرية الملكية.
"شبكة استهداف رقمية" (digital targeting web) تربط كل الأصول (سفن + طائرات + أنظمة غير مأهولة) لاتخاذ قرارات أسرع.
المراحل التنفيذية
المرحلة الأولى (Atlantic Net): "مكافحة الغواصات كخدمة" (ASW as a Service). تعتمد على شركات مقاولة تدير أنظمة غير مأهولة لجمع البيانات الاستخباراتية والاستطلاعية في مناطق محددة. هذه المرحلة تبني الشبكة الاستشعارية الأولية.
المرحلة الثانية (Atlantic Bastion الكاملة): دمج كامل بين المنصات المأهولة وغير المأهولة في قوة هجينة متكاملة تغطي مناطق أوسع.
التمويل والتقدم حتى الآن (يوليو 2026)
استثمار أولي مشترك بين وزارة الدفاع والصناعة: 14 مليون جنيه إسترليني في 2025 لتطوير واختبار تقنيات الاستشعار المضاد للغواصات (تمت مطابقته بنسبة 4:1 من القطاع الخاص).
مشاركة صناعية كبيرة: 26 شركة بريطانية وأوروبية قدمت مقترحات، و20 شركة تعرض نماذج تجريبية.
عناصر من البرنامج (أصول غير مأهولة) متوقع وصولها إلى المياه خلال 2026.
البرنامج جزء من زيادة أوسع في الإنفاق الدفاعي البريطاني.
التعاون الدولي
هناك تعاون وثيق جداً مع النرويج (اتفاقية دفاعية جديدة موقعة في 2025 تشمل أسطولاً مشتركاً وتدريبات مشتركة في المناطق الشمالية). البرنامج يدعم أيضاً جهود الناتو ككل.
التحليل والآثار الاستراتيجية
نقاط القوة:
تحول نوعي من الاعتماد على المنصات المأهولة الباهظة إلى "كتلة" من الأنظمة غير المأهولة الرخيصة نسبياً والمستمرة.
تغطية مستمرة (persistent surveillance) في بيئة صعبة مثل البحر النرويجي.
دمج الذكاء الاصطناعي يسرّع عملية الكشف والرد.
التحديات:
البيئة القطبية الشمالية قاسية (جليد، ضوضاء طبيعية، تغيرات صوتية).
خطر التشبع أو الالتفاف الروسي (كما يناقش تقرير RUSI).
الحاجة إلى توسيع النطاق الجغرافي (بعض التحليلات توصي بالتمدد غرب الأطلسي وشرقاً نحو بحر بارنتس).
الخلاصة
برنامج أتلانتيك باستيون هو أحد أهم التحولات في البحرية البريطانية منذ عقود. هو رد مباشر ومدروس على عودة التهديد الروسي تحت الماء، ويجمع بين التقنيات المتقدمة (الاستقلالية + الذكاء الاصطناعي) والمنصات التقليدية. الشبكة الاستشعارية التي يبنيها تشمل فعلاً مناطق البحر النرويجي كجزء أساسي من الطبقة الدفاعية.
البرنامج لا يزال في مراحله الأولى، لكنه يتقدم بسرعة بدعم صناعي قوي، ومن المتوقع أن يصبح نموذجاً يُحتذى به في حلف الناتو لمواجهة التهديدات تحت سطح البحر في القرن الحادي والعشرين.
تعليقات
إرسال تعليق