يُسلط هذا التقرير من موقع The War Zone (TWZ) الضوء على حادثة جوية وبحرية ذات أبعاد تقنية وتكتيكية بالغة الأهمية في المياه الدولية، حيث قامت طائرة صيد الغواصات والاستطلاع البعيد الروسية Tu-142 Bear-F بإسقاط عوامات صوتية (Sonobuoys) على مسافة قريبة جداً من حاملة طائرات بريطانية.
من الناحية العسكرية والتشغيلية، يمكن تحليل هذا الاحتكاك القريب من خلال عدة زوايا احترافية:
1. الهدف التكتيكي: البحث عن "الأثر الصوتي" (Acoustic Signature)
إسقاط العوامات الصوتية (Sonobuoys) في محيط مجموعة القتال التابعة لحاملة الطائرات البريطانية لا يستهدف الحاملة نفسها بشكل رئيسي (لأن الحاملة فوق السطح ويمكن تتبعها بصرياً وبالرادار)، بل يستهدف الغواصات المرافقة لها:
تأمين غواصات الهجوم السريع: عادة ما ترافق حاملات الطائرات غواصات هجومية نووية (مثل فئة Astute البريطانية) لتأمينها من تحت الماء. الطائرة الروسية حاولت رسم خريطة صوتية هيدروفونية للمنطقة لالتقاط البصمة الصوتية للغواصة المرافقة.
البصمة الصوتية للحاملة: حتى بالنسبة للحاملة، فإن رصد الضوضاء الناتجة عن رفاصات الدفع (Propeller Cavitation) وأنظمة التبريد تحت الماء يساعد الاستخبارات البحرية الروسية على تحديث مكتبة البيانات الصوتية الخاصة بالقطع البحرية التابعة للناتو.
2. الرسائل الردعية واستعراض القوة (Show of Force)
إسقاط العوامات على مرأى من السفن: في البرتوكولات العسكرية، يُعد إسقاط معدات الاستشعار مباشرة أمام أساطيل العدو خطوة هجومية صريحة تحوم حول حافة "التحرش العملياتي" دون خرق القانون الدولي، وهي رسالة مفادها: "نحن نراقب تحركاتكم تحت الماء وفوقه في الوقت الفعلي".
اختبار رد الفعل (Interception Testing): تتيح هذه المناورات لروسيا قياس زمن استجابة مقاتلات الحماية الجوية الانطلاقية (مثل طائرات F-35B العاملة على الحاملة البريطانية) وكيفية تعاملها مع قاذفات أو طائرات استطلاع ثقيلة تقترب من نقطة الصفر للمجموعة القتالية.
3. الجانب الهندسي والأيروديناميكي (المنصة المستخدمة)
الطائرة Tu-142 (المشتقة من القاذفة الاستراتيجية Tu-95) تعتمد على أربعة محركات توربينية مروحية ضخمة بمراوح متضادة الدوران (Contra-rotating propellers)، وهي توفر لها مدى طيران أسطوري وبقاء طويل في الجو (Endurance) لعدة ساعات فوق المحيطات، مما يجعلها المنصة المثالية لإدارة عمليات مسح مائي واسع النطاق ونشر شبكات من العوامات الصوتية النشطة والخاملة (Active/Passive Sonobuoys).
هذه الحادثة تعكس استمرار وتصاعد الحرب الباردة وتحت المائية بين روسيا وقوات الناتو، حيث تظل السيادة والمعلومات الاستخبارية تحت الماء هي مفتاح السيطرة على مسارح العمليات البحرية الحيوية.

تعليقات
إرسال تعليق