في تطور نوعي وتكتيكي لم يحظَ بالتغطية الإعلامية التي يستحقها، كشفت اللقطات الرسمية لزيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى قيادة القوات البحرية في منطقة أوديسا عن استلام وتكامل منظومات صاروخية ساحلية متطورة من طراز Naval Strike Missile (NSM) النرويجية و RBS-15 السويدية.
هذا النمط من "الكشف الصامت" يعكس استراتيجية الدعم الغربي لكييف؛ حيث يُفضل المستشارون العسكريون انتزاع "المفاجأة العملياتية" ميدانياً بدلاً من الإعلانات السياسية المسبقة التي تُعطي الخصم فرصة للتكيف.
أولاً: التفكيك الهندسي والتكنولوجي للأسلحة الجديدة
انتقال البحرية الأوكرانية لدمج المنظومات الإسكندنافية إلى جانب الترسانة السابقة يُشكل قفزة فيزياء التوجيه والشبحية:
صاروخ NSM (النرويج - Kongsberg):
البصمة الشبحية (Low Radar Cross Section): يتميز بهيكل حاد مصمم لامتصاص الموجات الرادارية ($RAM$) ورأس حربي بزنة 120 كجم.
الباحث الصامت وتقنية (ATR): لا يبث الصاروخ أي موجات رادارية أثناء اقترابه، بل يتتبع الأهداف عبر مستشعر حراري تصويري (IIR) مدمج بتقنية التعرف الأوتوماتيكي على الأهداف (Automatic Target Recognition). يقوم الصاروخ بمطابقة صورة السفينة الحرارية بقاعدة بيانات مخزنة داخل شريحته البرمجية، ليختار نقطة الارتطام الأكثر تدميراً (مثل مخزن الذخيرة أو غرفة المحركات) دون تأثر بالتشويش الكهرومغناطيسي.
صاروخ RBS-15 Gungnir (السويد - Saab):
المدى والتحليق الملاصق للمياه (Sea Skimming): يصل مداه في النسخة المتقدمة (Mk IV) إلى أكثر من 300 كم، مع القدرة على التحليق على مسافة مليمترية فوق موجات البحر للإفلات من رادارات الأفق.
المناورة التكتيكية المسارية: يمتلك رأساً حربياً شديد الانفجار بزنة 200 كجم مع حزمة مبرمجة لنقاط انعطاف متعددة (Waypoints) لتضليل وسائط الدفاع الجوي والإلتفاف حول الجزر والبروزات الساحلية.
ثانياً: التكتيك الهجين – إشباع رادارات الأسطول الروسي (Saturation Attack)
تكمن القوة الحقيقية لترسانة أوديسا الجديدة في "مفهوم الهجوم المركب والمنسق زمنياً":
المرحلة الأولى (المسيرات البحرية كمشتتات): يتم إطلاق أسراب من الزوارق المسيرة الانتحارية (Sea Baby أو Magura V5) باتجاه السفينة الروسية المستهدفة. يُجبر هذا الهجوم طاقم السفينة على تفعيل جميع أنظمة المراقبة والرشاشات الآلية والرادارات قصيرة المدى وتوجيهها نحو سطح الماء.
المرحلة الثانية (الصدمة الصاروخية الشبحية): في نفس لحظة انشغال الطاقم بالزوارق المسيرة، تصل صواريخ NSM و RBS-15 من اتجاهات جغرافية مختلفة وبمسارات طيران منخفضة للغاية. هذا التزامن يسبب "إشباعاً رادارياً" (Radar Saturation) يتجاوز قدرة معالجة البيانات لدى المنظومات الدفاعية الروسية مثل Pantsir-S1M أو Tor-M22.
ثالثاً: الفرز العملياتي لترسانة أوديسا البحرية
جدول الفروقات الفنية والعملياتية لعائلة الصواريخ المضادة للسفن:
| الصاروخ | بلد المنشأ | المدى التقديري | نوع الباحث والنمط الهجومي | الميزة التكتيكية والعملياتية |
| Neptune (R-360) | أوكرانيا | ~ 280 كم | راداري نشط / محلي | التكلفة الاقتصادية والمرونة في التعديل المحلي المباشر. |
| Harpoon Block II | أمريكا / الدنمارك | ~ 140 كم | راداري نشط + GPS | الاستقرار الميداني والجاهزية العالية ضد الأهداف الثابتة. |
| NSM | النرويج | 185 - 250 كم | تصوير حراري سلبي (IIR + ATR) | شبحية فائقة، صامت رادارياً، واستخلاص ذكي لنقطة الاصطدام. |
| RBS-15 Mk IV | السويد | + 300 كم | راداري ذكي متطور (Sea Skimming) | مناورة مسارية معقدة، ورأس حربي ثقيل قادر على اختراق البر. |
رابعاً: ثغرات الأسطول الروسي والآثار الجيوسياسية
أثبتت الممارسات الميدانية (مثل الاستهداف الموثق لمنصة "سيفاش" البحرية في البحر الأسود) أن الأسطول الروسي يعاني من "عقدة الأفق المائل وضوضاء انعكاس الأمواج" (Sea Clutter). انخفاض مسار الصواريخ الإسكندنافية يمنع الرادارات الساحلية الروسية البعيدة (مثل S-400) من رصد المقذوف إلا قبل ثوانٍ معدودة من الاصطدام.
ومع استمرار ثغرات الإهمال التكتيكي وقلة المرونة في المراقبة النقطية لدى بعض طواقم الأسطول، أصبحت التداعيات الاستراتيجية كالتالي:
إنهاء الهيمنة البحرية الروسية: تراجع السفن الحربية الروسية وحاملات صواريخ Calibr إلى الموانئ الشرقية البعيدة (مثل نوفوروسيسك) وتجنب الملاحة في غرب البحر الأسود.
تأمين الممرات التجارية الأوكرانية: حماية موانئ أوديسا وتأمين حركة تصدير الحبوب والطاقة دون الحاجة إلى اتفاقيات سياسية مع موسكو.
قدرة ضرب الأهداف البرية الساحلية (Land-Attack): تمتلك هذه الصواريخ مرونة برمجة إحداثيات ضرب المستودعات، ومحطات الرادار، وقواعد المسيرات الساحلية في شبه جزيرة القرم.
خلاصة واستنتاج
إن التواجد الميداني المزدوج لصواريخ NSM و RBS-15 إلى جانب Harpoon و Neptune يثبت أن المعركة البحرية لعام 2026 لم تعد تقاس بعدد الفرقاطات أو الحاملات، بل بذكاء وشبحية المنصات الساحلية. لقد فقد الأسطول الروسي ميزة المبادرة، وأصبح البحر الأسود مسرحاً مفتوحاً للردع الصاروخي الموجه برمجياً.
المصدر: Naval News + Militarnyi + تحليل Arab-Military (2026).
تعليقات
إرسال تعليق