كشفت صور الأقمار الصناعية الحديثة الحصرية، التي نشرتها شبكة CNN بالتعاون مع "معهد العلم والأمن الدولي" (ISIS)، عن بدء طهران في عمليات ترميم وإعادة بناء واسعة النطاق شملت منشآت نووية حساسة وقواعد عسكرية وصاروخية رئيسية. تأتي هذه التحركات الهندسية المكثفة في أعقاب الضربات الجوية المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل، مما يضع التزامات إيران بموجب مذكرات التفاهم الأخيرة على المحك.
أولاً: مجمع بارشين والترميم الهيكلي لمنشأة "طالقان-2"
يُعد مجمع بارشين العسكري أحد أكثر المواقع إثارة للقلق، وتحديداً منشأة "طالقان-2":
الأهمية التاريخية: تُصنف المنشأة كغرفة محصنة بشدة لإجراء اختبارات المتفجرات العالية (High-Explosives)، والتي يُشتبه في أنها لعبت دوراً محورياً خلال برنامج إيران النووي السري السابق المعروف باسم "آماد" (AMAD) في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
التكتيك الدفاعي (الدفن بالرمال): قبيل الهجمات الأخيرة، لجأ المهندسون العسكريون الإيرانيون إلى طمر المنشأة بالكامل بالرمال، في محاولة هندسية لامتصاص طاقة الانفجار الناتجة عن الذخائر الخارقة للتحصينات وحماية الهيكل الخرساني الداخلي من الدمار الشامل.
مراحل الترميم الحالي: رغم اختراق القنابل الخارقة للمخازن للدرع الخرساني الثقيل للموقع، رصدت الأقمار الصناعية جدولاً زمنياً للإصلاح تمثل في:
وضع أغطية مؤقتة فوق فجوات الارتطام والثقوب الثلاثة الموجودة في السقف.
استبدال الأغطية لاحقاً بشبكات سلكية (Mesh Screens) مخصصة لتسليح الصب الخرساني الجديد.
وصول شاحنات خلط الخرسانة إلى المحيط الإنشائي لسد الفجوات وإصلاح السقف بالكامل.
ثانياً: منشأة "جبل بيكاكس" (Pickax Mountain) السرية
لم تقتصر الحركة على مجمع بارشين، بل امتدت إلى منشأة جبل بيكاكس، وهي موقع محصن تحت الأرض مرتبط بقدرات إيران النووية المتقدمة:
حركة الآليات والأنفاق: رصدت الصور حركة مستمرة ونشطة للمركبات والآليات عند مداخل الأنفاق الخاصة بالموقع.
مؤشر الانتهاك الاستراتيجي: يرى المحللون العسكريون أن هذا النشاط يعد خرقاً محتملاً لمذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة في أواخر يونيو، والتي نصت شروطها على التزام إيران بوقف تطوير الأسلحة النووية والحفاظ على "الوضع الراهن" (Status Quo) لبرنامجها.
ملاحظة استثنائية: في مقابل هذا النشاط المحموم في بارشين وبيكاكس، لم تظهر مواقع نووية رئيسية أخرى (مثل منشأة أصفهان) أي علامات مماثلة لإعادة البناء حتى الآن.
ثالثاً: إصلاح البنية التحتية العسكرية والصاروخية الإقليمية
توازياً مع الملف النووي، شملت الجهود الإيرانية استعادة الكفاءة العملياتية للبنية التحتية التقليدية وسلاح الجو في مناطق إقليمية مختلفة:
قاعدة تبریز الصاروخية والجوية: تم تسجيل عمليات رصف وتعبيد جديدة للموقع الصاروخي، في حين تعمل طواقم الصيانة في القاعدة الجوية بنشاط على طمر وتسوية حفرة ضخمة ناتجة عن القصف لاستعادة كفاءة المدرج.
منشأة كرمانشاه: رُصدت حافرات ميكانيكية تعمل على إزالة الأنقاض وتطهير نقاط الوصول ومداخل الأنفاق الأرضية التي تعرضت للاستهداف.
رابعاً: أبعاد استخباراتية وجيوسياسية
رفع القيود عن الصور الفضائية: يرجع الفضل في توفر هذه المعلومات الدقيقة على مستوى سطح الأرض إلى قرار الحكومة الأمريكية الأخير بتخفيف القيود المفروضة على مزودي صور الأقمار الصناعية التجارية، مما أتاح نشر ومراجعة هذه البيانات بعد أن كانت تُحجب في السابق.
المعضلة السياسية: تضع هذه التحركات "اتفاق يونيو" بين واشنطن وطهران أمام اختبار حقيقي؛ فبينما تعهدت إيران بوقف تطوير الأسلحة، تُظهر هندستها العسكرية على الأرض إصراراً سريعاً على ترميم قدراتها الهجومية والدفاعية، مما يثير تساؤلات حاسمة حول نواياها الحقيقية في المرحلة المقبلة.
تعليقات
إرسال تعليق